قبل أن يندمل ذلك الجرح الذي خلّفه فقدان أبي… رحلت أمي.
كنتُ قد اعتدت أن أراه في أحلامي، وكأنه يطمئنني بأن حاله أفضل من الدنيا، وأنه بخير.
في ذلك اليوم، قبل العيد بيومين، رأيته بنفس الضحكة التي أعرفها، مرتديًا زيه الأنيق، كما كان يفعل حينما يحلّ علينا ضيفٌ جديد أو نستقبل مناسبة سعيدة. سألته بابتسامة:
“ما هذا التأنق؟”
فاكتفى بأن يجيبني بكل هدوء: “أتيتُ لأصطحب أمك.”
استيقظتُ من الحلم ولم أعطه بالًا، كما كنت أفعل مع كل الأحلام التي تمرّ دون تفسير… لكن شاء القدر أن نصاب جميعًا بكورونا، ولم تحتمل أمي هذا الألم، فرحلت.
ماتت أمامي، رأيتُ فقدانها للتنفس، رأيتُ وجهها يشحب أمامي… وفجأة، عاد الحلم ليطرق عقلي بكل تفاصيله.
كنتُ كطفلة، أبكي دون أن أشعر… أستذكر صوتها حين أناديها باسمها، أستذكر دعواتها التي كانت تهمس بها بصوتٍ خافت، نفهم بعضها أحيانًا، ونجهل بعضها أحيانًا أخرى.
لا أعلم ما الذي أصابني، لكني شعرت وكأن الإحساس المتبلد داخلي قد انهدم بالكامل.
تلك القوية الصامدة، تلاشت… وكأن الوهن قد اجتاحني، وكأن الحزن وجد له متسعًا أكبر في جوفي.
أمي ماتت…
ربما هذه المصيبة أنهت ألمها الذي أهلكها طويلًا، لكنها جعلتني أضعف، أكثر انكسارًا، غير قادرة على نسيانها، ولا على تجاوز لحظة رحيلها وهي أمامي…رحم الله أبي ورحم الله أمي وجمعني بهم في جناته النعيم