الثلاثاء، ديسمبر 30، 2025

ديسمبر… وطنٌ لقلبي المُتعب

 ديسمبر…

أنت لا تشبه أحدًا.

لا صخب فيك، ولا ضجيج،

لكن فيك هدوءٌ يربكني،

وفي بردك حنانٌ لا يُشبه دفء أحد.


لم أحتفل بيوم ميلادي يومًا،

لم أعلّق زينة، لم أطفئ شموعًا،

لكنّني حين ألتقيك،

أشعر أنني أقترب من نفسي أكثر،

أنك الوحيد الذي يجلس بقربي

ولا يسألني لماذا تغيّرت،

ولا يطلب مني تفسير التعب الساكن في عينيّ.


فيك أكتب، وأمسح،

أحكي، وأصمت،

أضحك وأنا على وشك البكاء،

وأبكي وأنا ممتنة لأنك تفهمني دون أن أنطق.


كأنك طاولة خشبٍ قديمة،

جلستُ عليها مرارًا،

أخبرتك عن خيباتي،

عن محاولاتي،

عن قلبي الذي لم يكبر رغم السنين،

وعن الحبّ الذي تأخّر،

وعن الوحدة التي رافقتني حتى وأنا وسط الجميع.


يا ديسمبر…

برودتك لا تؤذيني، بل تطمئنني،

كأنها يدٌ باردة تُربّت على قلبي،

وتقول لي: لا بأس، لا زلتِ هنا.

لا زلتِ تحاولين، وهذا يكفي.


أحبك،

لأنك لا تذكّرني بما مضى،

ولا تطلب مني أن أتغيّر،

أحبك، لأنك تشبهني في كل شيء،

في الصمت، في التأمل، في الرغبة في الكلام الطويل،

ثم التراجع فجأة، والاختباء في الغيم.


فيك أحب القهوة أكثر،

الضوء الخافت، الموسيقى الهادئة،

والأحاديث التي لا تحتاج صوتًا عاليًا…

الأحد، أكتوبر 19، 2025

شوفني بعيون قلبك ♥️

في قلب نجد، فجرٍ باردٍ ما ودّك تودّعه.

كانت هي واقفة عند باب بيت الطين، تعبث بثوبها وتكابر على رعشة يدها.

وهو، سعد، واقف على بعد خطوتين، وكل خطوة بينه وبينها مثل عمرٍ ما انكتب له قرار.


قالت:

“تروح؟”


ردّ، وصوته كأنه مبحوح من الغيم:

“اللي يبيّ ينسى، لازم يروح.”


ضحكت، ضحكة كأنها دمعة تمشي على وجهها بثبات:

“ولا تظنّك بتنسى، دامك تجهل وين تروح.”


سكت شوي، ثم مدّ عيونه فيها وقال:

“ترى ما وجدتني إلا فيك.”


قالت:

“وانا ما فقدتني إلا منك.”


مرّت لحظة طويلة، مثل وجعٍ ما ينتهي.

نسمة برد لمست خدّها، وكأنها تذكّرها بيده.

قالت وهي تناظر الغروب اللي يبتلع الشمس:

“تعرف وش أصعب شي؟ إنك تشتاق لشخص، وتخاف تدعي له يرجع.”


مشّى عنها، وكل خطوه تخلّف وراءه رجفة، كأنها تقول:

“ارجع، بس بخوف.”


ومن يومها، الليل صار له طعمها، والنجوم كأنها تحكي عنه.

وهي؟ كل ما تسمع صدى الريح تقول:

“يا سعد، الزعل ما نفع، ولا النسيان قدر."


من يوم مشى سعد، والدنيا حولها صارت تشبه الشتاء: ما تمطر، بس تبرد.

كانت لمى تمشي في نفس الدرب اللي ودّعها فيه، كأنها تفتش عن بقايا خطواته بالتراب.

تطالع الغروب كل يوم، تقول:

“يمكن اليوم يرجع، يمكن الغيم يرده لي مثل ما يرد المطر للأرض العطشى.”


وسنين راحت، وسنين جت.

اللي حولها تزوجوا، والبنات اللي كانت تسولف معهم عن الحب صار عندهم صغار.

وهي؟ ما تبدّل منها إلا صمتها، صار أثقل، وصارت تضحك بأدب، كأنها تخاف من الفرح.


لكن القدر له أسلوب غريب، يعرف متى يفتح باب بعد ما تظنّينه انقفل.

في يوم، وهي تطلع من المستشفى، شافته.

كان واقف عند السيارة، نفس النظرة، نفس الملامح، حتى الوقفة ما تغيّرت.

كأنه طالع من ذاك الفجر اللي ودّعها فيه.


ما قال شي أول ما شافها، بس رفع حاجبه بخفة، وقال بصوتٍ خافت:

“ما تغيّرتِ.”


ردّت بابتسامة فيها وجع الدنيا:

“وأنت ما رجعت.”


ضحك، بس ضحكته كانت كسيرة، وقال:

“رجعت، بس متأخر.”


مشت عنه، بس وقفها صوته:

“لمى، تدرين وش الغريب؟ كل ما حاولت أنسى، كنت ألقاك في كل شي بسيط. في ريحة البنّ، في أول المطر، في صوتٍ يهمس باسمي.”


وقفت، ناظرت الأرض وقالت:

“وأنا كنت ألقاك في أواخر الليل، لما أقرأ دعائي وأحسّ أني أطلب الله يريح قلبي منك، بس ما يريحني إلا بذكراك.”


اقترب منها بخطوة، وخطوة، لين صار بينهم نفس البعد القديم، البعد اللي ما ينقاس بالأمتار.

قال:

“ما قدرت أنسى، بس خفت أرجع وأكسرك أكثر.”


قالت:

“وانا ما خفت أرجع، خفت أضعف قدامك مثل قبل.”


صمت، وصاروا يسمعون أنفاس بعض.

الهواء بينهم صار أصدق من كل الكلام اللي انقال واللي ما انقال.


قال بصوت هاديء:

“لو الزمن يرجع، كنت اخترتك وأعلنتها.”


قالت:

“الزمن ما يرجع يا سعد، بس القلوب ما تموت.”


ثم مشت، بخطوات بطيئة، وكل خطوة كأنها تودّعه للمرة الألف.

ما نادت اسمه، ولا التفتت.

بس كانت تدعي في سرّها:

“يا رب، إن كتب لي نصيب معه، فسهّلها، وإن ما كتب، فانساه عني مثل ما أنسى نفسي أحياناً.”


أما هو، فبقى واقف، يطالعها وهي تختفي عن ناظره، كأنها حلمٍ راح من نصّ نومه.

قال لنفسه:

“هالمرّة ما راح أزعل، بس يمكن أعيش العمر كله وأنا أتظاهر إني نسيت.”


ومن بعدها، كلٌّ في طريقه،

لكن كل الطرق كانت تلتقي في الذاكرة.

هي كل ما سمعت كلمة “سعد”، تبتسم بصمت،

وهو كل ما مرّ من قدام قسمها في المستشفى، يتنفس بعمق،

كأنه يرجع يعيش أول مرة سمع فيها اسمه بصوتها..


مرّت خمس سنين.

والحياة سارت بطريقتها القاسية الهادية.

لمى صارت أكثر هدوء، أكثر اتزان، لكن مو لأنها نسيت…

بل لأنها تعبت من الانتظار.


تزوج غيرها؟ لا.

هو ظلّ يدور بين شغله وسكوته، كأن عمره واقف عند ذاك الباب الطيني اللي ودّعها فيه.

وكان الناس يسألونه، ليه ما تتزوج؟

يبتسم ويقول: “اللي أبيها راحت، وأنا بعد راحت أيامٍ كثيرة بعدها.”


وفي يوم عادي، بسيط، بدون مواعيد ولا إشارات مسبقة—

القدر قرر يرجّع الحكاية.


كانت هي في مستشفى ثاني، انتقلت دوامها هناك قبل شهر.

وفي صباح مزدحم، نادت السكرتيرة:

“دكتور سعد، عندك مريضة جديدة في الطوارئ.”


رفع رأسه من الورق…

ولمّا دخل الغرفة، التقت العيون قبل الكلام.


هي.

نفسها.


نفس النظرة، بس فيها نضج أكثر، تعب أكثر، وجمالٍ ما انطفأ رغم السنين.

قال بهدوء، يحاول يخفي ارتباكه:

“انتي؟”


قالت، والدمعة محتبسة بنصّ العين:

“الدنيا ضاقت وجابتك.”


ضحك بخفّة، كأنه يتأكد إنها حقيقة:

“ما توقعت نلتقي بهالشكل.”


قالت:

“ولا أنا، بس يمكن كذا الله أراد… لما تعبنا من الحيلة، عطانا القدر فرصة بدون موعد.”


جلس على الكرسي المقابل، نسى المريض والوقت، وصار يحكي بصوتٍ متردد عن كل اللي ما قاله:

كيف ما تزوج، كيف كان يدور وجهها في الزحمة، كيف كل مرّة يقول انتهى الموضوع، ترجع له في حلمٍ بسيط.


وهي، كانت تسمع، وكل دمعة تطلع كأنها تبرّي جرح سنين.


وفي نهاية اليوم، لما خلص الشغل، وقف عند باب القسم وقال لها:

“لمى، يمكن تأخرنا، ويمكن تعبنا، بس أنا ما أقدر أفلت الفرصة مرّة ثانية.”


قالت، بصوتٍ خافت:

“أنا بعد مليت أكون قوية، أبي أرتاح، حتى لو تعبت معك.”


ومن ذاك اليوم، ما افترقوا.

واجهوا الدنيا بصعوبة، بالكلام اللي انكسر قبل، وبالناس اللي ما صدّقوا، وبالخوف اللي يسكن بعد كل وجع قديم.

لكنّهم هالمرّة كانوا مع بعض.


ما كان طريقهم وردي، بس كان صادق.

هو يسندها وهي تردّ له الحيلة والهدوء.

وفي آخر مشهدٍ من حكايتهم، كان الغروب نفسه اللي ودّعها تحته قبل سنين،

بس هالمرة واقفين سوا.


مدّ يده، أخذ يدها، وقال بابتسامة مبحوحة:

“تدرين؟ الزعل ما نفع، النسيان ما نفع، بس الحب… صبر وانتصر.”


ابتسمت وقالت:

“دامنا مع بعض، خلاص… حتى التعب حلال."


من بعد لقاؤهم بالمستشفى، بدت الحكاية تتنفّس من جديد.

مو بسرعة، لا… كانوا يمشون بحذر، كأنهم يخافون يوقظون الوجع القديم.

سعد تغيّر، صوته أهدأ، وكلامه أقل، بس عيونه تحكي كثير.

ولمى؟ صارت تبتسم بطريقة تشبه الرجعة للحياة.


كل مساء، يلتقون عند نفس المقهى الصغير قريب من المستشفى.

يحكون عن الماضي، عن اللي ضاع، عن اللحظات اللي تمنّوا لو تكلموا فيها بدل الصمت.

وكل مرة، يطلّع سعد خاتم بسيط من جيبه، يشوفه، ويرجعه.

لين جاء اليوم اللي مدّه قدامها وقال:

“ما أبي يرجع هذا الخاتم للجيب بعد اليوم، أبيه يكون بيدك.”


سكتت، والدمعة نزلت قبل الكلمة.

قالت بصوت خافت:

“تدري كم دعيت بهاللحظة؟ حتى وانا متأكدة إنها ما بتصير، كنت أطلبها.”


ابتسم، وقال:

“ما ضاعت دعواتك يا لمى، بس تأخرت شوي… لين نضجنا وصار الحلم يستحق عمرنا كله.”


تزوجوا بهدوء، بدون ضجيج ولا مظاهر.

فقط أهلهم، وعدد قليل من الناس اللي يعرفون وش معنى إن القدر يتأخر ثم يرضى.


وفي أول ليلة بعد الزواج، وهي جالسة عند الشرفة، قال لها سعد:

“صدقيني، ما كنت أبي حبك يكون قصة حزينة.”

ردّت بابتسامة صغيرة:

“الحزين خلص، والباقي حياة.”


مرت السنوات.

البيت امتلأ بأصوات صغيرة،

ولد يشبهه بعناد عيونه،

وبنت تشبهها بابتسامتها اللي تلين أصعب الأيام.


وكانوا إذا سألوهم عن قصتهم، يضحكون ويقولون:

“هي بدأت بزعل، وانتهت ببيتٍ مليان ضحك.”


وفي كل فجر، لمى تصحى على صوت أطفالها وتهمس:

“يا رب لك الحمد… ما كان صدفة، كان وعدك إن بعد الصبر يجينا فرح.”


وسعد؟

كل مرة يشوفها، يبتسم لنفسه ويقول:

“دامها معي، خلاص، ما عاد للغياب معنى.