الأربعاء، أبريل 23، 2025

فقدهم موجع 💔

 بكيت شوقاً على رحيلهم، وكأن الألم لا يعرف حدًّا ولا فاصلًا، وكأن قلبي ما زال عالقًا في لحظات الفقد، لا يفارقني. فكلما حاولت أن أبتسم وأكمل الطريق، أجد نفسي في لحظة ضعف، أبحث عنهم في كل زاوية، في كل فكرة، في كل نسمة هواء.


لقد رحلوا، ولكن غيابهم أعمق من أي فراغ، أعمق من أي مسافة. فكلما مرّ يوم، يصبح الألم أكثر حدة، كأن الزمن لا يتوقف ليشفي جراحي. أبحث عنهم في كل مكان: في صوت الرياح، في ضوء القمر، في همسات الليل التي كانت تملأها ضحكاتهم، في الأماكن التي جمعتنا ذات يوم. ولكنهم الآن غائبون، والألم لا يزال يتسرب إلى أعماقي.


أمي التي كانت نورًا لحياتي، وأبي الذي كان سندًا لا يلين، وأخي الذي كان رفيقي في كل لحظة، أصبحوا الآن ذكريات لا أستطيع الإمساك بها. كيف لي أن أستمر دونهم؟ كيف لي أن أواجه هذا العالم الفسيح وهم بعيدون عني؟ إن الشوق إليهم لا يقف عند حدود، بل يتسع كل يوم، وكل لحظة.


ورغم أنني أبتسم أمام العالم وأحاول أن أعيش من جديد، إلا أن جزءًا مني ما زال يتوق للعودة إلى تلك الأيام التي كانت مليئة بدفئهم وحبهم. فكم هو قاسي هذا الفقد، وكم هو مؤلم أن أعيش مع ذكرى من كانوا يوماً حياتي، وأصبحوا اليوم جزءًا من السماء


السبت، أبريل 19، 2025

بين مدّ المزاج وجزر القرار: الإنسان حين يكون عالَماً متقلباً

الحياة ليست خطاً مستقيماً، ولا نحن كائنات ثابتة في مشاعرنا ولا في أفكارنا. نحن مثل موج البحر، نعلو أحيانًا وننخفض أحيانًا أخرى، نتأثر بأشياء صغيرة نجهلها وأشياء كبيرة ندفنها. من الطبيعي، بل من الإنساني جدًا، أن يتغير مزاج الإنسان في يومه مرات كثيرة. أن يستيقظ بابتسامة ثم تنطفئ فجأة دون سبب واضح. أن يشعر بالحماس لشيء ما، ثم ينطفئ فجأة ويقرر تأجيله. هذه ليست هشاشة كما يظن البعض، بل مرونة داخلية عميقة… نوع من النضج، حتى لو بدا ارتباكًا.

المزاج مثل الطقس، لا يمكنك أن تتحكم فيه تمامًا، لكنه يؤثر على كل شيء: على قراراتك، كلماتك، وحتى طريقة جلوسك. أحيانًا تشعر أنك مستعد لتغيير العالم، وأحيانًا لا ترغب حتى بفتح هاتفك. ومع كل تغير، تجد نفسك شخصًا مختلفًا قليلًا. لا أسوأ، ولا أفضل… فقط مختلف.

ورغم هذا، العجيب في الإنسان أنه قادر على اتخاذ قرارات حاسمة وسط هذه الفوضى الشعورية. كأن في داخله بوصلة خفية، تُعيد توجيهه كل مرة يوشك أن يضيع. قد يمر بلحظات ضعف، يبكي، يندم، يتردد، لكنه بعد كل ذلك… يقرر. يقف على قدميه، يتنفس بعمق، ويقول “هذا هو قراري”، حتى لو اتخذ القرار وعيناه ممتلئتان بالدمع.

هذا التوازن الدقيق بين تقلب المزاج وثبات القرار، بين التوتر والهدوء، بين الشك واليقين… هو ما يجعلنا بشرًا حقيقيين. لا أحد يتخذ قراراته وهو في قمة مزاجه الجيد طوال الوقت. أحيانًا، نختار ما يناسب قلوبنا ونحن في أسوأ حالاتنا، فنكتشف لاحقًا أن تلك اللحظة كانت أوضح من كل لحظات الصفاء. لأن الألم، حين لا يبتلعنا، يجعلنا نرى بوضوح.

الذين يحاولون دائمًا إخفاء تقلباتهم، يظهرون كأنهم أقوياء… لكنهم من الداخل ينهارون بصمت. بينما الذين يسمحون لأنفسهم بأن يشعروا، بأن يتبدل مزاجهم، بأن يقولوا “أنا مش بخير اليوم”، هم من يعيشون بصدق، وقراراتهم غالبًا تكون أصدق.

الحياة لا تطلب منا أن نكون متزنين كل لحظة، بل تطلب فقط أن نكون صادقين مع أنفسنا. أن نعرف متى نهدأ ومتى نثور. متى نسامح ومتى نبتعد. أن نفهم أن التردد ليس ضعفًا، بل تفكير عميق. وأن الشعور الزائد، وإن أرهقنا، إلا أنه علامة على قلب حي لم يبلّد بعد.

وفي النهاية، الإنسان مزيج معقد من التناقضات. وكل مرة ينجح فيها أن يوازن بين مشاعره وقراراته، بين خوفه وجرأته، بين أمله وواقعيته، فإنه ينتصر… لا على العالم، بل على الجزء المتردد داخله. وهذا هو النصر الحقيقي

الجمعة، أبريل 18، 2025

خلف الباب رقم 9

في تمام الساعة الثالثة فجرًا، دقّ هاتف النقيب سالم العتيبي وهو على وشك أن يغفو بعد نوبة عمل طويلة. كان الصوت على الطرف الآخر مضطربًا، كأن صاحبه يلهث:

– “عثرنا على جثة في شقة مهجورة بحي الرمال، الشقة رقم 9. الأمر يبدو… مريب يا سعادة النقيب.”

نهض سالم فورًا، التقط مفاتيحه، ورد بنبرة حادة:

– “أنا بالطريق. لا تلمسوا شيء.”

حين وصل، كان باب العمارة الحديدي مفتوحًا، والموقع محاط بشريط الشرطة الأصفر، والمحققون يتهامسون في زوايا الممر. صعد الطابق الثالث بخطى سريعة. أمام الباب رقم 9، استقبله أحد أفراد الفريق، أشار إلى الداخل بصمت. دخل سالم.

الجثة كانت ممددة وسط غرفة المعيشة. رجل في الخمسينات، ملامحه هادئة بشكل غريب، كأن الموت تسلل إليه دون مقاومة. كان بكامل أناقته، يرتدي بدلة داكنة، وعلى معصمه ساعة يد محطمة عند الرقم 1:17. بجانبه كوب قهوة نصف ممتلئ، لا أثر لأي عبث أو شجار في المكان. كل شيء في الشقة ساكن، كأن الزمن توقف.

الغريب أن الكهرباء مفصولة عن الشقة منذ شهرين، وفق ما أكده الحارس لاحقًا. كيف دخل الضحية؟ ولماذا كان هنا؟ ولماذا كوب القهوة لا يزال دافئًا رغم أن أحدًا لم يلاحظ دخوله أو خروج أحد؟

تفقد سالم الزوايا بنفسه، وفي إحدى زوايا الصالة، خلف أريكة مهترئة، لمحت عيناه مفكرة صغيرة مغطاة بطبقة رقيقة من الغبار. التقطها بحذر، فتح الغلاف الجلدي، وقرأ بخط يد باهت:

“إن عدتُ ولم أجدها… فاعلموا أن الباب لن يُفتح مرة أخرى.”

أغلق المفكرة ببطء. من “هي” التي يقصدها؟ ولماذا الباب؟ هل يقصد باب الشقة أم شيئًا آخر؟ الوقت كان يمرّ، والتفاصيل قليلة. أمر بتحليل القهوة، وطلب مسح البصمات، لكنه شعر أن هناك شيئًا أعمق من مجرد جريمة قتل.

في المساء، ظهرت أول نتيجة من الأدلة: لا أثر لأي بصمة غير بصمات الضحية في الشقة. لا على الكوب، ولا على الباب، ولا حتى على المفكرة. أمر غريب، لا أحد يدخل مكانًا دون أن يترك أثرًا. الكوب لا يحتوي على سم، لكنه مشبع بمادة مخدرة نادرة، تسبب شللًا تدريجيًا للقلب. المادة نفسها وُجدت في جيب الضحية، بكمية صغيرة ملفوفة في ورقة نقدية قديمة.

في ملفه الشخصي، تبين أن اسمه “فيصل ناصر الغامدي”، رجل أعمال متقاعد، عاش خارج البلاد لأكثر من 15 عامًا، وعاد مؤخرًا إلى الرياض في زيارة قصيرة. لا أقارب معروفين، ولا أصدقاء ظاهرين. لكن أكثر ما أثار الشكوك هو عنوان إقامته الرسمي: ليس في الرمال، بل في حي النخيل، بعيد تمامًا عن موقع الجريمة.

في اليوم التالي، قرر سالم زيارة الحي الذي يسكنه فيصل. العمارة كانت فاخرة، الحارس في منتصف العمر، بدا عليه التوتر حين سأله:

– “متى آخر مرة شفت فيصل؟”

– “من ثلاثة أيام، جاءه شاب غريب، كان لابس كمامة، وقف عند باب الشقة فوق ساعة. ما دخل، بس كان يهمس له بشيء… بعدين فيصل طلع ومعاه شنطة صغيرة ومشى.”

عاد سالم إلى مكتبه، وبدأ البحث في سجلات الشقة المهجورة. المفاجأة كانت في أن مالك الشقة هي امرأة تُدعى “هند الحربي”، اختفت منذ عام 2011، ولا تزال في عداد المفقودين حتى اليوم، لا جثة، لا أثر، لا بلاغ رسمي من العائلة. كأنها تلاشت من الوجود. فجأة، عادت المفكرة إلى ذهنه. فتحها مجددًا، قلب الصفحات، ووجد عبارة أخرى على منتصف الصفحة الأخيرة:

“لقد انتظرتها هنا، كما وعدت. ظننت أنها ستعود، لكنها لم تفعل. كلنا نعيش على وهم اللقاء، حتى نموت وحدنا.”

تعلّق سالم بالقضية أكثر من اللازم. كان يجلس في مكتبه لساعات طويلة يتأمل تلك العبارة، كأنها تخاطبه هو شخصيًا. طلب من مساعده البحث في سجلات المرور لمعرفة إن كانت سيارة فيصل ظهرت في أي كاميرات قريبة من الشقة، فكانت المفاجأة: السيارة توقفت أمام العمارة قبل عشر دقائق فقط من وقت الوفاة، ولم يغادر أحد غير فيصل.

بدأت خيوط القصة تتعقد. هل كان فيصل وهند على علاقة؟ هل كانت الشقة مكانًا سريًا للقاءاتهما؟ وهل غيابها هو ما قاده إلى هذا المصير؟ أمر باستدعاء مختص في تحليل الخطوط. النتيجة بعد ساعات أكدت أن المفكرة بخط يد الضحية. كل كلمة.

في المساء، وقبل أن يغادر سالم المكتب، وصل تقرير جديد من المختبر: تم العثور على بصمة واحدة خافتة على ورقة النقد التي وُجدت في جيب الضحية. البصمة تعود لامرأة… وهنا، حدث الانفجار الحقيقي في القضية.

المرأة هي “هند الحربي”.

لكن كيف؟ كيف لبصمتها أن تظهر الآن بعد كل هذه السنوات؟ وأين كانت؟ ولماذا لا تزال بصمتها حديثة؟

في الأيام التالية، لم يستطع سالم التوقف عن التفكير بالقضية. كانت هناك خيوط كثيرة، لكنه لم يجد ما يربطها فعليًا. بدأ بزيارة المقاهي القريبة من العمارة، يسأل العاملين هناك عن أي شخص يشبه فيصل أو هند. أحدهم، رجل آسيوي يعمل في مقهى صغير على الزاوية، تردد في البداية ثم قال:

– “فيه واحد يجي من فترة لفترة، كبير شوي، دايم يسأل عن بنت. يقول إنها تكتب شعر، وتحب القهوة من غير سكر.”

سجل سالم المعلومة في دفتره. عاد إلى المفكرة. في إحدى الصفحات الأولى، كانت هناك أبيات شعرية مكتوبة بخط مرتب:

“الساعة لا تمضي إن لم تري وجهك، والليل لا يزول إن لم أسمع صوتك.

بدأ يشتبه أن فيصل لم يكن مجرد زائر عابر في حياة هند، بل عاشق قديم… وربما مهووس.

توجه إلى المكتبة الوطنية، وطلب من المسؤول البحث في الأرشيف الأدبي عن أي اسم “هند الحربي” مرتبط بالشعر أو النشر. بعد ساعات، عثر على مقال قديم في مجلة محلية من عام 2008، كتبه شاب مجهول، كان يمتدح فيه شاعرة واعدة تدعى هند، وذكر أنها “تكتب من شرفة الشقة رقم 9، حيث العالم أكثر وضوحًا.”

عاد سالم إلى الشقة رقم 9 بنفسه. وقف أمام الباب المغلق، لم يدخل أحد منذ نقل الجثة. لكن ثمة شيء في الجو تغيّر. كأن الهواء صار أثقل. كأن الجدران تهمس بشيء لا يُقال.

دخل.

فتح المفكرة مجددًا، وقلب الصفحة التي ظنها الأخيرة. وجد سطرًا جديدًا لم يكن موجودًا من قبل.

بخط يد ناعم، مختلف عن السابق، كُتب:

“وجدتك متأخرًا، لكنك ما زلت تنتظر… سأغلق الباب الآن، للأبد.”

أصيب سالم بقشعريرة. خرج على الفور، أغلق الشقة، وأصدر أمرًا بإغلاقها تمامًا وعدم فتحها مرة أخرى.

لم يُعثر على هند أبدًا، ولم تُسجل أي حركة لها بعد ذلك التاريخ. وظلت الشقة رقم 9 مغلقة، كما لو أن الزمن بداخلها توقف.

لكن في كل ذكرى سنوية لذلك اليوم، تصل إلى مركز الشرطة بطاقة بلا اسم، مكتوب عليها فقط:

“الباب لا يُفتح إلا مرتين… مرة حين نحب، ومرة حين نموت."

ولسنوات، بقيت تلك البطاقات تأتي بلا توقف.

وفي الذكرى السابعة، وصلت البطاقة كالمعتاد، لكن هذه المرة، كانت مختلفة. كانت مبللة، تفوح منها رائحة قديمة، رطبة، كأنها خرجت من قبو مغلق منذ قرن. وكان معها شيء آخر…

مفتاح صدئ.

لم يُكتب عليه شيء، ولا يوجد ما يشير إلى أي قفل يخصه. وضعه النقيب سالم في درج مكتبه، وأغلقه دون أن ينبس بكلمة.

في تلك الليلة، عند منتصف الليل تمامًا، تلقى اتصالًا مجهولًا. صوت أنثوي، منخفض، بالكاد يُسمع، همست فقط:

“الباب فُتح.”

ثم انقطع الخط.

في صباح اليوم التالي، وجدوا باب الشقة رقم 9 مفتوحًا… لأول مرة منذ سبع سنوات. لم يُكسر القفل، ولم يُخلع الباب. فقط… مفتوح.

لكن الأغرب أن أحدًا لم يكن يستطيع الدخول.

كل من حاول عبور العتبة، شعر بثقل في جسده، وبردٍ يخترق العظم، وسماع صوت امرأة تهمس من الداخل:

“ليس بعد… لم يحن الوقت بعد.”

منذ ذلك اليوم، أُغلقت الشقة تمامًا، لكن كل ليلة، عند الساعة 1:17 – تمامًا كما توقفت ساعة فيصل – يضيء ضوء باهت من خلف النافذة.

لا أحد يعلم من يشعل النور، ولا أحد يجرؤ على الاقتراب.

أما المفتاح… فقد اختفى من درج سالم دون أن يُفتح القفل.

ولا زال أحدهم هناك… ينتظر