وتمضي أيامي كما السفن في بحرٍ هادئٍ، تبحث عن مرفأٍ لا وجود له، وأمشي بين الناس مبتسمةً، وأحمل في صدري صمتًا أضخم من كل الكلمات. أحيانًا أجد في عيني انعكاس الحزن القديم، كمرآةٍ تكشف عن وجعي الذي تعلمت إخفاءه، وأحادث نفسي في صمتٍ عن قلوبٍ قد رحلت، وعن أوقاتٍ لم تعد تعود، وعن حنينٍ يصرخ خلف جدران الروح.
كنتُ أمنح مشاعري بصدق، وربما أكثر من اللازم، حتى غدت الذكريات كوشاحٍ يلف قلبي ويثقل أنفاسي، وصمتي العميق أصبح يلازمني كظلٍ لا يبرح، أتذكر العيون التي رافقتني، والابتسامات التي لم تُفهم، والكلمات التي بقيت معلّقة في الهواء دون أن تجد من يضمها.
وفي الليل، حين يسكن العالم ويغفو على أحلامه، أستدعي تلك اللحظات التي لم تكتمل، وأعيد ترتيب الألم كما لو كان لوحةً فنيةً لم يُكتب عليها سوى الحنين. أجد في البكاء سرًا غريبًا، يخفف عن قلبي ثقله، لكنه لا يمحو الجرح، ولا يُعيد ما فقد.
رغم ذلك، أتعلم أن أحتضن حزني، وأن أقدّر الألم كدرسٍ صامتٍ في الحياة، وأمضي كما النهر، يتلوى بين الصخور، يجرح نفسه أحيانًا، لكنه لا يوقف الجريان، ولا يتوقف عن البحث عن البحر الذي يحتويه. وهكذا أتعلم أن أكون هنا، رغم الفراغ، رغم الوحدة، رغم الغياب. أتعلم أن أملأ صدري بما تبقى من صبر، وأن أزرع في روحي بذور الأمل، حتى ولو كانت متواضعة، حتى ولو بقيت حبيسة بين دموعٍ لن تتوقف، وبين قلبٍ يبحث عن دفءٍ ربما لن يأتي