جلست موضي في ركن المجلس، تحت ضوء القمر الذي تسلل من النافذة، وأحفادها متحلقون حولها، عيونهم الصغيرة تتألق بالحماس، وهم ينتظرون منها أن تروي لهم قصة جديدة. أخذت نفسًا عميقًا، وابتسمت بحنان، ثم قالت:
“يا أحفادي، اليوم سأحكي لكم عن يوم عظيم، يوم تأسيس وطننا، حين بدأ أجدادنا رحلتهم الطويلة نحو الوحدة والقوة. كان ذلك في عام 1727 حين قرر الإمام محمد بن سعود أن يجمع الناس تحت راية واحدة، ويوحّد البلاد التي كانت متفرقة، ليجعلها دولة قوية ومستقرة.”
نظر إليها الأحفاد بانبهار، فقال أحدهم بحماس: “جدتي موضي، كيف كان ذلك اليوم؟ كيف بدأ كل شيء؟”
أخذت موضي رشفة من قهوتها، ثم عادت بالزمن إلى الوراء، لتسرد لهم القصة وكأنها كانت هناك.
في تلك الأيام، كانت نجد أرضًا واسعة، تتناثر فيها القرى والبلدات، لكن لم تكن هناك قوة واحدة تحميها وتوحدها. كان الناس يعيشون في خوف من الغزوات، والتفرق أضعفهم. لكن في الدرعية، تلك البلدة الصغيرة التي احتضنت النخيل والوديان، اجتمع الناس حول قائد شجاع، الإمام محمد بن سعود، الذي رأى أن الوقت قد حان ليبني دولة قوية تحفظ الأمن وتجمع القبائل تحت راية واحدة.
في ليلة مضيئة بالنجوم، جلس الإمام محمد مع العلماء وأهل الرأي في مجلسه، وقال:
“آن الأوان أن نبني دولة قوية، دولة تقوم على العدل والشريعة، وتحمي الناس من الخوف والتفرقة. لا بد أن نجمع الشتات، ونوحد القلوب قبل الأرض.”
وهكذا، بدأ العمل. أُرسيت الأسس الأولى لدولة عظيمة، بدأت من الدرعية، ثم امتدت قوتها ونفوذها شيئًا فشيئًا، حتى أصبحت مركزًا للعدل والاستقرار.
لكن بناء الدولة لم يكن سهلًا، فكان هناك من يعارض الوحدة، ومن يحاول إيقاف هذا التأسيس العظيم. لكن أجدادنا لم يتراجعوا، بذلوا أرواحهم، قاتلوا بشجاعة، وضحّوا من أجل أن يحيا أبناؤهم في وطنٍ آمنٍ وقوي.
مع مرور السنوات، كبر هذا الوطن، وتعاقبت عليه الأجيال، لكن روح التأسيس لم تمت، بل ظلت تنتقل من قلب إلى قلب، ومن جيل إلى جيل، حتى وصلت إلينا نحن.
هنا توقفت موضي عن الحديث للحظة، ونظرت إلى أحفادها الذين كانوا مأخوذين بالقصة، ثم قالت:
“أنتم يا أحفادي امتداد لهذا التاريخ، أنتم حلم أجدادكم الذي تحقق. اليوم، نحن نعيش في وطن قوي، آمن، مزدهر، لكن لا تنسوا أن هذا كله لم يكن ليحدث لولا شجاعة الأجداد الذين ضحّوا من أجل أن نبقى.”
سألت إحدى الحفيدات الصغيرة ببراءة: “جدتي، هل كان الناس يحبون الإمام محمد بن سعود؟”
ابتسمت موضي بحنان، وقالت:
“بالطبع يا صغيرتي، لقد أحبوه كثيرًا، لأنه لم يكن مجرد قائد، بل كان أبًا لشعبه، يحميهم ويؤمن لهم مستقبلًا. لقد وحّد الناس تحت راية واحدة، ومن يومها لم نعد مجرد قبائل متفرقة، بل أصبحنا وطنًا واحدًا، نبدأ معًا، ونبني معًا. وكما أحب أجدادكم الإمام محمد بن سعود، أنتم اليوم تحبون أحفاده، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، لأنهم يسيرون على خطى أجدادهم، يحافظون على هذه البلاد، ويقودونها نحو مستقبل مشرق".
يوم بدينا.. توحدنا وبنينا
ومنذ ذلك اليوم، ظل يوم التأسيس ذكرى عظيمة، نرويها لكل جيل، ونتذكر فيها بدايتنا، لأن من يعرف كيف بدأ، يعرف كيف يكمل المسيرة.
أغلقت موضي القصة بابتسامة، ومسحت على رؤوس أحفادها، وهم ينظرون إليها بانبهار، وكأنهم عاشوا معها تلك اللحظات.
“الآن، أنتم تعرفون حكايتنا، فاحفظوها، وانقلوها لأبنائكم وأحفادكم، لأن الأوطان لا تعيش إلا بذاكرتها، ونحن ذاكرة هذا الوطن.”
(يوم بدينا.. توحدنا وبنينا) قصة من قلب التاريخ، تعبر الأجيال، وتحيا في قلوبنا للأبد. 💚🤍🇸🇦🔥