السبت، فبراير 15، 2025

غرفة 302

 في إحدى ليالي الشتاء القارسة، وصلت نورة إلى الفندق متعبة من يوم طويل مرهق، كانت رحلة العمل التي خاضتها مليئة بالضجيج والاجتماعات والمواصلات المرهقة، وكل ما كانت تريده في تلك اللحظة هو حضن دافئ من الصمت، وماء ساخن يغسل عنها التعب، وسرير يحتوي جسدها المتكسر من الإنهاك.

دفعت باب الفندق الزجاجي ببطء، وتوجهت بخطوات بطيئة إلى موظف الاستقبال الذي رفع عينيه من شاشة الحاسوب ونظر إليها بابتسامة باهتة وكأنه رآها من قبل. ناولها مفتاح غرفتها اليدوي، وقال بنبرة جامدة لم تخلو من الغرابة:

“غرفتك 302… إذا احتجتِ أي شيء، لا تترددي في الاتصال.”

شكرته بهدوء، وبدأت تتجه نحو المصعد. كان بهو الفندق هادئًا أكثر من اللازم، كأن الهواء نفسه قد تجمّد. ضغطت على زر المصعد وانتظرت، وعندما فُتحت أبوابه، دخلته وحدها. انغلق الباب ببطء، وصدر صوت ميكانيكي معدني جعلها تشعر بشيء من القلق، وكأن الآلة تتنهد أو تئن. ظلت تحدق في الأرقام التي تتبدل أمامها، وعقلها مشغول فقط بالحمام الدافئ الذي ينتظرها في الغرفة.

وصلت إلى الطابق الثالث، خرجت من المصعد إلى ممر طويل مغطى بسجادة حمراء داكنة، وكانت الأضواء خافتة، لا تصدر سوى وميض خفيف من السقف، كأن الطابق قد نُسي من قبل عمال الفندق. لم يكن هناك أي صوت، ولا أثر لحركة. شعرت نورة للحظة وكأنها الوحيدة التي تقيم هنا. خطواتها وحدها كانت تصدح في الممر.

وصلت إلى الغرفة، وضعت المفتاح في الباب وفتحته. كانت الغرفة أنيقة، مرتبة بشكل يوحي بالفخامة، كل شيء في مكانه، ومع ذلك… كان الجو مشبعًا برطوبة غريبة، كأن الغرفة لم تُفتح منذ مدة طويلة. دخلت وسحبت حقيبتها خلفها، أغلقت الباب بهدوء، وبدأت تستعد للاستحمام.

خلعت ملابسها، ودخلت إلى الحمام. البخار بدأ يملأ المكان، والماء الدافئ بدأ يريح جسدها. لكن بينما كانت تغمض عينيها تحت انهمار الماء، التقطت أذنها صوتًا خفيفًا… خربشة؟ خطوات؟ شيء يتحرك خارج الحمام؟ رفعت رأسها فجأة، أوقفت الماء، وحبست أنفاسها.

انتظرت…

لا شيء.

هزت رأسها لنفسها محاولة طرد تلك الهواجس. “أكيد تعب، بس تعب.”

خرجت من الحمام، شعرها لا يزال رطبًا، جسدها ملفوف بمنشفة، وجلست على السرير، بدأت تتصفح هاتفها، تحاول الانشغال بشيء يبعد تفكيرها. لكن عيناها وقعتا على المرآة المقابلة… وتجمدت في مكانها.

في الزاوية، خلفها تمامًا، كان هناك ظل.

ظل بشري، طويل، ساكن.

نظرت بسرعة نحو الزاوية نفسها خلفها، لم يكن هناك شيء. عادت للمرآة، لم تجد شيئًا أيضًا. قلبها ينبض بقوة. بدأت تشعر بأن الغرفة تضيق من حولها. “تعب… مجرد تعب… لا أكثر”، همست لنفسها.

أطفأت المصباح واستلقت على السرير، تحاول النوم. لكن الظلام لم يكن مريحًا، بل كان متربصًا. وبعد دقائق من التململ… سمعت شيئًا جديدًا. تنفس.


بطيء… ثقيل… واضح… داخل الغرفة، قريب.


فتحت عينيها ببطء، عضّت شفتها من الخوف، ثم مدت يدها نحو المصباح الجانبي وأضاءته بسرعة. لا أحد. لم يكن هناك شيء، لا ظل، لا صوت. لكنها لم تعد مرتاحة. شيء في الجو تغيّر. الهواء أصبح أبرد، وكأن نوافذ خفية قد فُتحت.


قامت من السرير، أسرعت إلى الباب، وفتحته. خرجت إلى الممر، كان لا يزال فارغًا. لا صوت، لا ضوء سوى من مصابيح السقف الخافتة. قررت أن تعود، أن تغلق الباب وتذهب للنوم مهما حدث، لكن حين استدارت…

لم يكن المفتاح في مكانه.

اختفى. لم تتركه في الباب، كانت متأكدة. كانت تمسكه عندما فتحت الباب.

رجعت بخوف إلى الغرفة، تنظر تحت السرير، على الطاولة، في الحمام. لا شيء. ثم لفت نظرها شيء آخر…

كلمات مكتوبة على مرآة الحمام، بخط غير واضح، كأنها كُتبت ببخار نفس:

“أنتِ لستِ وحدك هنا.”

وقفت متجمدة، قلبها يرتجف، الجلد على ذراعيها ينتفض. لم تصرخ، لم تستطع حتى أن تتنفس بعمق. شعرت بأن البرد يغمر عظامها. فجأة، عاد صوت التنفس، هذه المرة أقرب… ليس فقط داخل الغرفة، بل خلفها تمامًا.

أرادت أن تستدير، لكن أطرافها كانت مشلولة، كأن الغرفة تجمدت معها. حاولت أن تفتح فمها، أن تصرخ، أن تهرب… لكن ظلًا أسودًا انعكس فجأة على المرآة، يقترب أكثر… وأكثر…

وفي اللحظة التي أحست فيها بأنه يلمس كتفها، انطفأت أنوار الغرفة بالكامل

سقط الظلام مثل ستارة سوداء سميكة، ومعه اختفى كل شيء. لم تعد ترى يدها، لم تعد تسمع سوى صوت واحد… التنفس.

لكنه لم يكن خلفها هذه المرة.

كان على كتفها الأيسر تمامًا.

قريب جدًا… دافئ، ورطب… كأن هناك فمًا مفتوحًا قرب أذنها.

ثم جاء الهمس…

بصوت عميق، خافت، ممزق:

“أخيرًا جيتي…”

صرخت. لكن صوتها لم يخرج.

ركضت نحو الباب وهي تتخبط، تبحث عن مقبضه، تتحسس الجدران، لكنها لم تجد شيئًا. لم يكن هناك باب. الحائط صار صلبًا… لا يوجد مخرج. وكأن الغرفة نفسها قد ابتلعتها.

تعثرت وسقطت، زحف جسدها نحو زاوية الغرفة، وهي تبكي وتلهث، وتضرب الجدار بيديها.

فجأة، الضوء عاد.

لكن ليس ضوء المصباح.

كان ضوءًا أحمر باهت، يتسرّب من أسفل السرير… كأن جهنم نفسها تتنفس تحته.

ثم رأت شيئًا يخرج من تلك الفتحة… يد بشرية، طويلة، مشوهة، أصابعها متكسرة بزاويا غير طبيعية، تتلوى وتزحف على الأرض ببطء.

ثم أخرى.

ثم وجه.

وجه بلا ملامح، إلا من عينين سوداوتين تمامًا، تنظران إليها مباشرة.

همست نورة لنفسها وهي تتراجع نحو الجدار:

“يا رب… يا رب… خلني أطلع من هنا.”

لكن الغرفة لم تكن تنوي تركها تخرج.

فجأة، انطفأ الضوء الأحمر… وعاد الظلام.

وفي قلب ذلك الظلام، صدر صوت أخير… كصوت خشخشة أوراق، أو ربما شيء يُكتب:

“الضيفة رقم ٧٣… وصلت.”

في اليوم التالي، دخل عامل النظافة إلى الطابق الثالث من الفندق. الطابق كان مغلقًا منذ سنوات، مهجورًا، لا أحد يستخدمه.

لكنه وجد باب غرفة 302 مواربًا.

دخل بحذر… وجد الغرفة فارغة تمامًا، عدا شيء واحد فقط على المرآة:

بخار خفيف، كتب عليه:

“متى توصل الضيفة رقم ٧٤؟”