الأحد، فبراير 16، 2025

ظل في النافذة

 كانت "نورا" تعيش وحدها في شقة صغيرة في الطابق الأرضي، لم تكن تعتقد يومًا أن وحدتها قد تتحول إلى كابوسٍ، حتى بدأت تشعر بذلك الإحساس الغريب… إحساس المراقبة.


في البداية، ظنت أنه مجرد وهم، لكن سرعان ما بدأ يتجلى أمامها بوضوح، حينما لاحظت شخصًا مجهولًا يتجول حول المبنى كل ليلة. لم يكن يقترب كثيرًا، لكنه كان هناك… يراقب، يختفي، ثم يعود مجددًا، وكأنه يتأكد من شيء ما.


لم تعرف كيف تتصرف، شعرت بالخوف كلما مر من قرب النافذة، وحينما يحل الليل، كانت تغلق الستائر بإحكام، وكأنها تحاول إخفاء وجودها. ولكن، في إحدى الليالي، سمعت صوت احتكاك خفيف عند الباب.


اقتربت بحذر، قلبها ينبض بسرعة، انحنت قليلًا لتنظر من أسفل الباب، فرأت ورقة صغيرة تنزلق إلى الداخل.


ترددت قليلًا قبل أن تلتقطها، لكنها حين فتحتها، اتسعت عيناها ذعرًا… لقد كانت رسالة تهديد!


لكن الأغرب من ذلك، أن الرسالة لم تكن موجهة لها، بل لشخص آخر… كان المرسل يظن أنها إحدى الساكنات السابقات.


أدركت نورا حينها أنها مجرد خطأ في حساباته، لكنها خطأ قد يكون قاتلًا.


تسارعت أنفاسها، واتصلت فورًا بصديقتها "رهف"، أخبرتها بكل شيء، وكيف أنها محاصرة في شقتها، لا تدري ما الذي عليها فعله. لم تتردد رهف في الرد عليها قائلة:

"سآتي إليكِ، ولكن كيف يمكنني الدخول دون أن ينتبه؟"


فكرت نورا سريعًا ثم قالت:

"إنه يراقب النافذة والباب الفرعي فقط، الباب الرئيسي نادرًا ما يمر به، يمكنك الدخول من هناك دون أن يشعر."


وكانت الخطة ناجحة.


دخلت رهف الشقة دون أن يلاحظ الرجل، كان تركيزه منصبًا على الظلال المنعكسة من النافذة، معتقدًا أن ضحيته بالداخل. وعندما قرأت الرسالة، فهمت الحقيقة على الفور:

"إنه يظن أنك الساكنة السابقة، ولا يعلم أنها غادرت المكان."


لكن المشكلة لم تكن فقط في سوء الفهم، بل في خطورة وجوده. فماذا لو اكتشف أنه يلاحق الشخص الخطأ؟


عندها خطرت لرهف فكرة جريئة، همست بها لنورا، وعيناها تلمعان بالحزم:

"سنطفئ جميع الأنوار، ثم نترك الباب مواربًا قليلًا، وبمجرد أن يدخل… سنضربه على رأسه وننزله إلى القبو!"


كانت الفكرة مجنونة، لكنها السبيل الوحيد للنجاة.


انتظرتا في الظلام…


وبعد لحظات، انفتح الباب ببطء، وتحركت ظلاله في الداخل… وما إن دخل بالكامل حتى انهالت رهف عليه بضربة قوية على رأسه، فسقط بلا حراك!


سحبته الفتاتان بصعوبة نحو القبو، حيث الظلام والرطوبة والهواء المشبع برائحة العفن. لكن حين أضاءتا المكان… تجمدت الدماء في عروقهما.


الجدران كانت مليئة بأسماء محفورة، وأرضية القبو كانت تحوي جثثًا مدفونة بعشوائية، كأن أحدًا حاول إخفاءها دون اكتراث.


شهقت نورا، وضعت يدها على فمها حتى لا تصرخ، بينما رهف تراجعت خطوة إلى الوراء، تهمس بصوت مرتجف:

"هذا المكان… مقبرة."


لكن الأكثر رعبًا لم يكن الجثث، بل الصندوق الأسود الذي وجدوه في زاوية القبو، كان مغلقًا بإحكام وعليه كتابة غامضة:

"أنت أتيت إلى هنا، لن تستطيع تجنب هذا المصير."


تبادلت الصديقتان النظرات، وقد أدركتا أن ما اكتشفتاه لن يُترك دون عواقب.


لم تتحدثا كثيرًا، ولم تفكرا في أي شيء سوى الهروب.


وبهدوء، حملت نورا أغراضها، وأخذت رهف بيدها، وخرجتا من الشقة في جنح الليل، دون أن تلتفتا خلفهما.


لكن قبل أن تغلق الباب للمرة الأخيرة، همست نورا بصوت خافت:

"ما كان هذا المكان؟ ومن كانت تسكن هنا من قبل؟"


لم تجبها رهف، لكنها شدّت على يدها أكثر… وأسرعتا في خطواتهما بعيدًا عن المكان.