الأربعاء، يوليو 23، 2025

وحيده 💔

 وحيده .. وفي الزِّحام ألفُ رفيق

أُحادثُ نفسي في الزِّحامِ وأعلمُ

بأنَّ الذي في القلبِ لا يتكلَّمُ

وجُدرانُ صدري، كلَّما ضاقَ حلمُها

تردُّ الصدى، والبوحُ فيها مُحرَّمُ

أُحاطُ بأرواحٍ، تلوحُ كأنَّها

نجومُ سماءٍ… والبُعدُ فيهم مُظلِّمُ

أُقاومُ في قلبي جفافَ مشاعري

وأرسمُ دفئًا، والحنينُ مُعدَّمُ

كأنِّي أعيشُ العمرَ ظلًّا لغائبٍ

أطوفُ بهِ سرًّا، وعقلي يُرجِمُ

فلا الدمعُ يُبقي للحنينِ كرامةً

ولا الصمتُ يُبقي للوصالِ تَرجُّمُ

ولكنني أمضي، كأنّي صبورُه

أخبِّئ وجعي، والبكاءُ يُهزَّمُ

لعلَّ غدًا يأتي، على غير موعدٍ

فأُشفى… ويُغني القلبَ من لا يُسلِّمُ


 


الخميس، يوليو 10، 2025

بقيتي فيني 💔

 كان عمره ثمان سنين يوم شافها أول مرة.


كانت بنت جيرانهم، تمشي بالحوش ورا دميتها وتضحك بصوت نقي، وهو واقف عند باب بيتهم يمسك كورة، لكنه نسى الكورة ونسى الدنيا من شافها.

اسمها لمى، ضفايرها مربوطة بشريطة وردية وعيونها تلمع كأنها تعرف وش يعني تفرح قلب أحد بدون ما تتكلم.


مرت أيام، وهو كل يوم يطلع فوق السطح وقت المغرب، مو عشان يلعب، لا… عشان يشوفها تجلس على الدكة قدام شباكهم، تحط خدها على يدها وتسولف مع دميتها كأنها بشر.

وكان كل ما لمحته تطلع، قلبه يدق بسرعة غريبة عليه، ما يفهمها، بس يحس إن الدنيا بخير دامها موجودة.


استمرت هاللحظات الجميلة، لين جاء ذاك اليوم اللي غيّر كل شيء.


صحى الصبح، ولقى سيارات قدام بيتهم، صناديق، وعمال ينقلون أغراض.

سأل أمه، قالت له:

“أبو لمى نُقل شغله، وبيسافرون”.

قال: “بس ما قالوا لنا؟ ما ودّعتني؟”


قالت أمه: “الله يكتب لكم اللقاء مرة ثانية”.


بس من ذاك اليوم، وهو ما عاد شافها.


كبر، كبر بسرعة، كأن الطفولة وقفت لما راحت هي. دخل الثانوي، بعدها الجامعة، اختار يدرس طب، ما يدري ليه، بس يمكن لأنه حس إن فيه وجع كثير حوله، ولازم يصير شي بيده يخفف هالوجع عن الناس… عن قلبه.


صارت حياته جد، دراسة، تعب، مناورات، حتى التعب ما كان يلهيه عن ذكراها، كانت موجودة بصورتها الصغيرة، بضحكتها، بنظرتها اللي كان يتمنى يشوفها مرة ثانية.


مرت السنوات.


وصار هو دكتور.


وفي يوم، وهو مناوب، جته حالة طارئة، ملفها بين يده، اسمها لمى بنت خالد


وقف.


حس قلبه طاح من مكانه.


ركض للغرفة، دخل، ووقف قدام السرير…

ويا الله.


هي.

هي لمى.


بس ملامحها تعبت، وجهها شاحب، أنبوب أوكسجين، وأجهزة حولها من كل جهة. كانت مغمضة، بس مافيه شي ينسيه ملامحها… مافيه.


قرب منها، مسك يدها، همس لها:

“لمى… أنا تركي، ولد جيرانكم… تتذكريني؟”


ما ردّت. بس نزلت دمعة من طرف عينها، كأن قلبها فهم قبل عقلها.


جلس معها أيام، ما خلا أحد يقرب منها، صار هو دكتورها وحبيبها وحاميها، بس الحالة كانت حرجة. الكبد تعبان، والجسم ينهار شوي شوي.


وفي يوم، فتحت عيونها ببطء، شافته، حاولت تركز، ارتجفت شفايفها، وهمست:

“أنت تركي؟”


ابتسم، دموعه على طرف عيونه، وقال:

“أنا اللي ما نسيتك… من يوم رحتي، وأنا أنتظر اللحظة هذي”.


بكت، وهي تقول:

“كنت أدعي أشوفك قبل ما أموت… كنت أقول لقلبي يمكن ترجع الدنيا وتجمعنا”.


قال وهو يمسك يدها بقوة:

“ما راح تموتين، لمى… أنا هنا، ما خليتك وقت كنت صغيرة، تبيني أخليك الحين؟”


بس الوقت ما كان بصالحهم. حالتها صارت أسوأ، وكانت ليلة كلها وجع، وهي تناظر فيه بنظرة ما يقدر ينساها أبد.


قالت له بصوت مبحوح:

“لو عشت… تتزوجني؟”


ضحك وهو يبي يكتم الألم:

“أنا من زمان متزوجك بقلبي… بس أنتِ اللي تأخرتي”.


ضحكت لمى، آخر ضحكة ناعمة، وقالت:

“وأنا عشت على أمل أشوفك… الحين قلبي ارتاح”.


وبعدها… سكتت.


عمره ما نسى هاللحظة، ولا نسى ضحكتها الأخيرة.

يدها بردت، بس أثرها ما برد في قلبه.


ومن بعدها، صار يمر من غرفتها كل مناوبة، يوقف لحظة، يطالع السرير الفاضي، ويتنهد.


ويهمس بصوت ما يسمعه إلا ربه:

“لمى… كل يوم أعيشك من جديد، وكل مريضة تشبهك، أعالجها وكأني أحاول أرجّعك لي”.


مرّت سنتين.

وما زالت غرفتها في المستشفى رقم “217” ما يدخلها إلا هو، وإن دخل… يوقف عند الزاوية اللي قالت فيها: “تتزوجني؟”


كل ما جلس هناك، حس إن المكان يتنفس ريحتها.

يحس بصوتها، بضحكتها اللي قالتها في آخر لحظة، كأنها للحين موجودة، تراقبه، وتواسيه.


ترك الطب فترة، اختنق، حس إن كل وجع يشوفه يرجّع له وجعها. بس رجع…

رجع لأنه وعدها يظل، ولو بالحياة اللي ما هي فيها.


احتفظ بصورتها داخل محفظته.

مو صورة حديثة، لا… صورتها الصغيرة، بضفايرها وعيونها اللامعة، يوم كانت بنت جيرانهم، يوم كانت الدنيا وردية.


وأكثر شيء علّق فيه؟ دفتر صغير، لقاه بين أغراضها… فيه دعوات كاتبتها، وحدة منهم كانت:

“يارب أجتمع فيه قبل لا أموت، حتى لو لحظة”


هو شاف الدعوة… وبكى.

بكى مثل طفل تايه، بس وسط بكاه، ابتسم، وقال:

“استجاب ربي، بس لحظة وحدة، بس كفاية…”


ومن ذاك اليوم، صار يكتب رسالة كل سنة في نفس تاريخ وفاتها، ويخليها جنب قبرها.

رسائل ما تقراها، بس يحس إنها توصّلها:


“لمى، ما نسيتك، ولا نويت.

كنتِ العمر اللي راح، وأنتِ اللي بقيتي

بقيتي فيني."

الاثنين، يوليو 07، 2025

حظّي الحزين

 كلّما حاولتُ أن أبني رجاءً… ينكسرْ

كلّما همّت خطايَ إلى أملٍ… ينحسرْ

كلّما داعبتُ حلمًا نائمًا

أيقظته يدُ الأسى… وانكدرْ


كم وددتُ الليلَ يلقاني بشيءٍ من سكونْ

غير أنّ الحزنَ يسري في دمي

كالجنونْ


كلّما ظننتُ أن الحظّ قد رقَّ، ومالْ

أغلق الأبوابَ في وجهي،

وألقى فوق أكتافي الجبالْ


ليس لي في الدربِ

إلّا ضحكةٌ مكسورةْ

وأماني العمرِ

في صدري رمادٌ،

ذكرياتٌ مهجورةْ


أيُّ حظٍّ

يتعمّد أن يخذلَ عاشقَهُ هكذا؟

أيُّ صبحٍ

لا يُجيد أن يُنيرَ طريقَ التائهين؟


كلّما حاولتُ أن أرتّقَ جرحي

نزفَ الشوقُ… وضاعَ الياسمينْ


كلما ناديتُ لليلِ أن يهدأ

عاد لي بالعتمةِ

يُغرِقُ قلبي في الأنينْ


ليس لي في العمرِ شيءٌ يُرتجى

ضاعَ حلمي

في زوايا الوقتِ

في ظلِّ السنينْ


كم جرّبتُ البكاءَ سرًّا

لأُخفي حزني العتيقْ

لكنّ دمعي

يقرأني

ويهتكُ المستورَ منّي

في الطريقْ


أيها الحظُّ الذي

ما عادَ يعرفني

ولا سألْ

أتراني من خذلني…

أم أنا كنتُ الأملْ؟


ضاعَ منّي كلُّ شيءٍ

غير حزنٍ

لا يُملُّ

وجراحٍ

في فؤادي

لا تُرتقْ

ولا تملْ


فكلّما بنيتُ أملًا

كان للخذلانِ

أسبقْ.


تبدَّد…

صار ذكرى

صار حُزنًا

صار ضيقًا في الحنايا

حين أخفقْ


كلُّ دربٍ كنتُ أمشيهِ بحلمٍ

جفَّ في عينيَّ…

وارتدَّ وضيقه

ثمّ أطبقْ


كلُّ صوتٍ كنتُ أسمعهُ نداءً

صار صمتًا

صار موتًا

صار ليلًا لا يُفرِّقْ


فكلّما ضمَّدتُ قلبي

عادَ ينزفُ

عادَ يحترقُ


أيُّ قلبٍ يستطيعُ العيشَ

في دنيا تخونُ الحلمَ

والفرحَ المُعلّقْ؟


أنا أُحسنُ الصمتَ

لكنّي

أموتُ

كلّما خانتني الأيامُ

وارتدَّ الدمعُ

في عينٍ تضيّقْ


فكلّما بنيتُ أملًا

كان للخذلانِ أسبقْ

أسبقْ.