الجمعة، مايو 23، 2025

رُبّما يأتي الفرج على مهل

الحياة تمضي، لا تنتظر أحدًا، ولا تلتفتُ لوجع

تمرُّ بنا كما يمرُّ الغيمُ، لا يسألُ الأرضَ: هل ارتويتِ؟

تعطي حينًا، وتُعجِز حينًا، وتكسرنا دون أن تُبدي ندمًا.

نسيرُ فيها ونحن نجرُّ أذيال التعب،

نبتسمُ أحيانًا لأنّ البكاءَ أثقل،

ونصمت لأنّ الكلام لا يُغير شيئًا.

في الحياةِ أوقاتٌ نُهزمُ فيها بلا حروب،

نخسرُ بلا وداع، ونشتاقُ لمن لم يشعر بنا يومًا.

نعاهد قلوبنا ألا نضعف، ثم ننكسر عند أول ذكرى.

نجرب أن ننسى، ولا ننسى،

نحاول أن نكون أقوياء، لكن الحنين يُرعبنا في الليالي الفارغة.

الحياةُ ليست عادلة، نعم…

لكنها تمنحنا بعض الرّحمات الخفية،

كأن يأتيك صوتٌ في لحظة اختناق،

أو دعاءٌ من قلبك يُردّ إليك بردًا وسلامًا.

تعيد ترتيبك بعد أن بعثرتك،

تربتُ على كتفك بعد أن أوجعته الضربات.

الحياة تُعلّمك أن لا أحد يدوم،

ولا شعورٌ يبقى،

وأنك، مهما تعثّرت،

ستنهضُ، وربك معك.

فامضِ يا قلب، وإن كنتَ مثقلاً،

فكلُّ هذا العناء لن يضيع،

وكلُّ هذا الصبر، له موعدٌ مع الفرج،

مهما تأخر،

سيأتي…

وسيُنسيك كل ما أرداك يومًا.



الاثنين، مايو 19، 2025

العِصآميّه

 العصامية، تلك الروح التي تولد من رحم الشقاء وتُروى بدموع الوحدة، هي ليست مجرد صفة، بل حكاية من نور يشتعل في عتمة الظروف. هي الإنسانة التي تُربّت على كتف نفسها، وتشعل في قلبها شموع الصبر، وتبتسم بوجه الحياة وإن كانت تخدشها ألف جرح. تضحك حين تتألم، وتتفنن في إخفاء وجعها كي لا تُثقل على أحد، وكأنها وُجدت لتكون الحضن الدافئ للكل، بينما لا أحد يسألها إن كانت بردانة أو خائفة.


تراها في عز الزحام، تشع بهجة وتفاؤلاً، تمدّ الآخرين بطاقة أمل كأنها لا تعرف الانكسار. تمازح، تواسي، وتمنح من حولها شحنة نور، دون أن تكشف أن قلبها مثقل، وروحها تمشي على أشواك. يظنها الناس قوية لا تحتاج أحداً، بينما الحقيقة أنها تعبت من كونها دائماً القوية.


حين تعود لغرفتها، وتغلق بابها، تنسلّ دمعتها بصمت، وتعود تلك الطفلة الصغيرة التي تتمنى لو أن أحدًا يحتضنها بلا سبب، فقط لأنها تستحق. تبكي ليس ضعفًا، بل لأن القوة أيضاً تحتاج استراحة، ولأن الكتف الذي تتكئ عليه فارغ منذ زمن. لا أحد يعرف كم من المرات تكسّرت وهي تضحك، كم مرة انطفأت وهي تُشعل شمعةً لغيرها، كم مرة قالت “أنا بخير” وداخِلها يصرخ “ساعدوني”.


العصامية لا تشتكي، لا تطلب، لا تنتظر، لكنها تتمنى.وتتمنى أن تُفهم دون أن تتكلم، أن تُحب كما تحب، أن يُحتفى بها دون مناسبة. هي التي تعلّمت أن تكون لنفسها كل شيء، لكنها أحيانًا تشتهي أن تكون لأحدهم شيء بسيط، كأن تكون راحة بعد تعب، أو يدًا تُمسك بها حين تتعب من الصعود.


وبرغم كل هذا، لا تزال العصامية تُشرق. لا تزال تضحك في وجه الحزن، وتبعث التفاؤل في قلوب من حولها. هي تشبه الشمس، تُنير الكون وتذوب في كل مساء دون أن يسألها أحد: هل أنتِ بخير؟ هي أنشودة الأمل التي تُغنّى بصوتٍ متعب، لكنها لا تزال تُغنّى. وفي كل مرة تنكسر، تعود وتلملم شتاتها، لا لتُري الناس قوتها، بل لأنها لا تعرف كيف تكون إلا كذلك


الجمعة، مايو 09، 2025

الحزنُ صديق الإنسان 🤍

 

تعبير يبدو غريبًا عند سماعه لأول وهلة، فكيف لشيء يُثقل القلب ويخنق الصدر ويُضعف الروح، أن يكون صديقًا؟ لكنه كذلك، صديقٌ يرافقك بصمت، لا يطرق الباب، لا يستأذن، يأتي حين يغادر الجميع، ويجلس بجوارك دون كلام، وأحيانًا داخلك بصوت لا يُسمع، لكنه يُشعر.


الحزن لا يشبه أي شعور آخر، لا يشبه الفرح الذي يزورك قليلًا ويغادرك بسرعة، ولا يشبه الغضب الذي ينفجر وينطفئ، بل هو مثل ظلّك، يتبعك أينما ذهبت، يعرفك أكثر مما تعرف نفسك، يلمح ما تخفيه خلف ضحكاتك، ويستقر في الأماكن التي لا يراها أحد. الحزنُ لا يعني دائمًا اليأس، ولا يعني أنك ضعيف، بل أحيانًا هو دليل أنك إنسان، قلبك ما زال ينبض، ما زلت تتألم لأنك تُحب، لأنك تتمنى، لأنك تنتظر، ولأنك لم تفقد إحساسك بعد.


الحزن ليس داءً كما يصوّره البعض، بل حالة من الصدق. الحزنُ لا يحتاج تبريرًا ولا توضيحًا، فكم من مرة شعرت بالحزن دون سبب واضح، فقط لأن في داخلك شيء لم يُفهم، أو شيء خذلك، أو حتى حلمٌ لم يتحقق. تتذكر مواقف مرّت قبل سنوات وكأنها حدثت بالأمس، لأن الحزن يعرف كيف يحفظ التفاصيل، ويعرف كيف يعيد تشغيل المشاهد التي أوجعتك بأعلى دقة ممكنة. إنه لا ينسى.


أحيانًا، يكون الحزن هو الشيء الوحيد الصادق في عالمٍ مليء بالتزييف. الناس تقول “أنا بخير” كثيرًا، لكنها لا تعنيها. يُقال إن “الوقت يُداوي”، لكن بعض الأحزان تسكنك بعمقٍ يجعلها تنمو مع الوقت، لا تتضاءل. أنت لا تتجاوز الحزن، بل تتعوّد على وجوده، يصبح كأنفاسٍ زائدة لا تراها، لكنه يُنهكك دون أن تدري. حتى في لحظات السعادة، تشعر بأن في داخلك غصة، أن هناك دائمًا شيئًا ناقصًا، شيئًا ما لم يُقل، ولم يُفهم.


ورغم ذلك… رغم ثقله ومرارته، الحزنُ يعلّم. يجعلك أكثر فهمًا، أكثر وعيًا بنفسك وبالناس. يجعلك تُقدّر الفرح حين يأتي، حتى لو كان بسيطًا. يجعلك تعتزّ بالأشياء الصغيرة، لأنك تعرف طعم فقدانها. الحزن يُهذب الروح، يُعمّق المشاعر، يمنحك لغة لا يراها إلا من مرّ مثلك بتجربة تُكسر فيها الروح ولا تُرمم.


الحزن أيضًا ليس دائمًا ظلامًا، بل أحيانًا هو الذي يفتح لك باب النور. حين تفيض عيناك من البكاء، تشعر أن الله أقرب إليك من أي أحد. حين تضيق عليك الدنيا، تجد نفسك ترفع يديك للسماء، تطلب، ترجوا، تتوسل، وهذا في ذاته قرب وطمأنينة لا يساويها شيء. الله لا يخذل قلبًا مُنكسرًا، ولا يدًا مرفوعة، ولا دعاء خرج من بين شهقة وألم.


أجمل ما في الحزن أنه لا يدوم. نعم، حتى وهو ينهش أعماقك، لا يدوم. سيأتي يوم تضحك فيه، تفرح فيه، تُحب الحياة من جديد. ستتذكر أيامك السوداء، وستقول: “عدّيتها.” ستمضي الحياة رغم كل شيء، وستُشفى جراحك، ولو بعد حين. وهذا يكفي، يكفي أن تؤمن أن كل ما تشعر به الآن، سيتبدل.


الحزن ليس عيبًا، ولا يجب أن نخجل منه، ولا أن نُخفيه تحت ابتسامات مصطنعة. أعطِ نفسك الحق أن تحزن، أن تبكي، أن تضعف، لكن لا تنسَ أن تنهض، أن تُقاوم، أن تؤمن أن الله يرى ويسمع ويعلم. وربما، فقط ربما، يكون الحزن الذي يكسرنا هو نفسه الذي يُعيد بناءنا من جديد، على نحوٍ أجمل، أنضج، وأكثر إنسانية.


فالحزن، يا صديقي، وإن كان مؤلمًا، لكنه يُشبه الأصدقاء الصادقين: لا يُجامل، لا يضحك في وجهك ليُخفي شيئًا… بل يُريك نفسك كما هي، يُريك ما تحتاج أن تتجاوزه، وما عليك أن تتعلمه، وإن طال مقامه، فهو راحل، مهما بدا عكس ذلك.


فلا تكرهه… فقط افهمه


الخميس، مايو 01، 2025

حضن من حلم ☁️🌱

 كانت شذا تمشي بخطوات مترددة في طريق ترابي طويل، كأن قلبها يحس إنه بيقودها لشي ما تتخيله. تعب، شمس حارقة، وغربة سنين معلّقة في طرف عيونها. لكنها رغم كل شي، كانت تمشي… شعور غريب يسحبها للأمام، كأن النهاية المره هذي، بتكون مختلفة.


وفجأة، وسط الغبار والسكوت، لمحت وجيه ما غابت عن بالها حتى وهي نايمة: أبوها واقف عند الشجرة اللي كانت تظللهم زمان، وأمها تلوّح بيدها كأنها تنتظرها من سنين، بنفس العباءة، ونفس الابتسامة اللي ما شافت مثلها.


وقفت شذا، عيونها غرقت دموع، ما كانت مصدقة!

“أمي! أبوي!”

صاحت بصوت مخنوق، وركضت لهم بكل شوقها، وضمّتهم كأنها تبي تعوّض كل العمر اللي راحت فيه لحالها.


أمها ضحكت ومسحت دموعها وقالت:

“يا بنتي، كبرتي وصرتي أجمل من أول… وينك من زمان؟”

ورد أبوها وهو يحتضنها:

“كنا ندعي لك كل يوم، بس سبحان من جمعنا بك اليوم.”


جلست معاهم تحت نفس الشجرة اللي كانوا يقضون فيها عصرياتهم، وسوالفهم، وضحكاتهم. بدأت تحكي لهم كل شي… كيف كبرت بدونهم، كيف مشت أيامها وحيدة، كيف كانت تدعي تشوفهم، بس لحظة. قالت لهم عن بيت الجدة، وعن العيد بدونهم، وعن المرض اللي كانت تمرّ فيه ولا تلاقي إلا الصمت والبرد بدل حضن أمها.


ضحك أبوها لما قالت إنها أول مرة طبخت حرّقت القدر، وضحكت أمها لما قالت إنها كانت تحاول تكوي عبايتها وتحرقها من كل جهة.

قالت أمها وهي تمسك يدها بحنية:

“كنا نحس فيك، والله، ونضحك سوا حتى وإحنا بعيدين.”


وكانت شذا حيل مرتاحة… كأن الزمن رجع لبيتهم، لصوت التلفزيون القديم، لريحة القهوة اللي تسويها أمها، لصوت أبوها وهو ينادي: “يالله نصلّي.”


وقبل لا تغيب الشمس، قالوا لها بصوت هادئ:

“حبيبتي، لازم نرجع، الوقت داهمنا.”


شذا ضمتهم بقوة، عيونها تفيض دموع:

“لا تروحون، بالله أجلسوا… تعبت وأنا أدوركم، لا تخلوني مره ثانية.”

أمها قبّلت جبينها وقالت:

“ودنا، يا بنتي، بس الظروف أجبرتنا.”


صرخت، تمسكت بثوب أمها، بكت مثل الطفل اللي ينخطف من حضن أهله، تحاول تمشي وراهم بس ما قدرت، كأن الأرض ثبتتها مكانها.

وقعت على الأرض وهي تصيح، مسحت دموعها بيدها المرتجفة، ورفعت راسها تدورهم… لكن ما كان فيه أحد.

كل شي اختفى.

حتى الشجرة، وحتى الطريق.


قامت، ناظرت حولها، لقت نفسها على سريرها، بملابس نومها، ودموعها حقيقية.

تنهدت بهمس وقالت:

“كنت معهم… كنت فعلاً معهم.”


ابتسمت وهي تبكي، لأنها عاشت لحظة… حتى لو كانت مجرّد حلم.

حلم ترك قلبها دافي، وعطر أمها وأبوها ما زال في الغرفة.


قامت، راحت لمكتبها، وسحبت ورقة وكتبت:


صحّيت ودمع العين باقي ما جفّ

كنّي بعد في حضنهم ما افترقنا


ريحة أمي فـ الثياب وصوتها لفّ

وأبوي يناديني: “يا بنتي، ما تركنا”


حضنهم بحلم، بس القلب ما جفّ

كأنه واقع عشته، والله رزقنا


لحظة، ولكن عن كل العمر تكفّ

عن كل وجع فرقا السنين اللي سرقنا


قالوا “نروح”، وقلبي بالحزن نزف

مثل الطفل يوم الأهل، فجأة، فقدنا


صحت “تعالوا”، وجرحي ما له وصْف

ما شالني إلا الدعاء، يوم احتضنا


واليوم أبكي، والدمع بالخفا ذرف

بسّ عسى الحلم فيني، لا فرقنا