الخميس، مايو 01، 2025

حضن من حلم ☁️🌱

 كانت شذا تمشي بخطوات مترددة في طريق ترابي طويل، كأن قلبها يحس إنه بيقودها لشي ما تتخيله. تعب، شمس حارقة، وغربة سنين معلّقة في طرف عيونها. لكنها رغم كل شي، كانت تمشي… شعور غريب يسحبها للأمام، كأن النهاية المره هذي، بتكون مختلفة.


وفجأة، وسط الغبار والسكوت، لمحت وجيه ما غابت عن بالها حتى وهي نايمة: أبوها واقف عند الشجرة اللي كانت تظللهم زمان، وأمها تلوّح بيدها كأنها تنتظرها من سنين، بنفس العباءة، ونفس الابتسامة اللي ما شافت مثلها.


وقفت شذا، عيونها غرقت دموع، ما كانت مصدقة!

“أمي! أبوي!”

صاحت بصوت مخنوق، وركضت لهم بكل شوقها، وضمّتهم كأنها تبي تعوّض كل العمر اللي راحت فيه لحالها.


أمها ضحكت ومسحت دموعها وقالت:

“يا بنتي، كبرتي وصرتي أجمل من أول… وينك من زمان؟”

ورد أبوها وهو يحتضنها:

“كنا ندعي لك كل يوم، بس سبحان من جمعنا بك اليوم.”


جلست معاهم تحت نفس الشجرة اللي كانوا يقضون فيها عصرياتهم، وسوالفهم، وضحكاتهم. بدأت تحكي لهم كل شي… كيف كبرت بدونهم، كيف مشت أيامها وحيدة، كيف كانت تدعي تشوفهم، بس لحظة. قالت لهم عن بيت الجدة، وعن العيد بدونهم، وعن المرض اللي كانت تمرّ فيه ولا تلاقي إلا الصمت والبرد بدل حضن أمها.


ضحك أبوها لما قالت إنها أول مرة طبخت حرّقت القدر، وضحكت أمها لما قالت إنها كانت تحاول تكوي عبايتها وتحرقها من كل جهة.

قالت أمها وهي تمسك يدها بحنية:

“كنا نحس فيك، والله، ونضحك سوا حتى وإحنا بعيدين.”


وكانت شذا حيل مرتاحة… كأن الزمن رجع لبيتهم، لصوت التلفزيون القديم، لريحة القهوة اللي تسويها أمها، لصوت أبوها وهو ينادي: “يالله نصلّي.”


وقبل لا تغيب الشمس، قالوا لها بصوت هادئ:

“حبيبتي، لازم نرجع، الوقت داهمنا.”


شذا ضمتهم بقوة، عيونها تفيض دموع:

“لا تروحون، بالله أجلسوا… تعبت وأنا أدوركم، لا تخلوني مره ثانية.”

أمها قبّلت جبينها وقالت:

“ودنا، يا بنتي، بس الظروف أجبرتنا.”


صرخت، تمسكت بثوب أمها، بكت مثل الطفل اللي ينخطف من حضن أهله، تحاول تمشي وراهم بس ما قدرت، كأن الأرض ثبتتها مكانها.

وقعت على الأرض وهي تصيح، مسحت دموعها بيدها المرتجفة، ورفعت راسها تدورهم… لكن ما كان فيه أحد.

كل شي اختفى.

حتى الشجرة، وحتى الطريق.


قامت، ناظرت حولها، لقت نفسها على سريرها، بملابس نومها، ودموعها حقيقية.

تنهدت بهمس وقالت:

“كنت معهم… كنت فعلاً معهم.”


ابتسمت وهي تبكي، لأنها عاشت لحظة… حتى لو كانت مجرّد حلم.

حلم ترك قلبها دافي، وعطر أمها وأبوها ما زال في الغرفة.


قامت، راحت لمكتبها، وسحبت ورقة وكتبت:


صحّيت ودمع العين باقي ما جفّ

كنّي بعد في حضنهم ما افترقنا


ريحة أمي فـ الثياب وصوتها لفّ

وأبوي يناديني: “يا بنتي، ما تركنا”


حضنهم بحلم، بس القلب ما جفّ

كأنه واقع عشته، والله رزقنا


لحظة، ولكن عن كل العمر تكفّ

عن كل وجع فرقا السنين اللي سرقنا


قالوا “نروح”، وقلبي بالحزن نزف

مثل الطفل يوم الأهل، فجأة، فقدنا


صحت “تعالوا”، وجرحي ما له وصْف

ما شالني إلا الدعاء، يوم احتضنا


واليوم أبكي، والدمع بالخفا ذرف

بسّ عسى الحلم فيني، لا فرقنا