تعبير يبدو غريبًا عند سماعه لأول وهلة، فكيف لشيء يُثقل القلب ويخنق الصدر ويُضعف الروح، أن يكون صديقًا؟ لكنه كذلك، صديقٌ يرافقك بصمت، لا يطرق الباب، لا يستأذن، يأتي حين يغادر الجميع، ويجلس بجوارك دون كلام، وأحيانًا داخلك بصوت لا يُسمع، لكنه يُشعر.
الحزن لا يشبه أي شعور آخر، لا يشبه الفرح الذي يزورك قليلًا ويغادرك بسرعة، ولا يشبه الغضب الذي ينفجر وينطفئ، بل هو مثل ظلّك، يتبعك أينما ذهبت، يعرفك أكثر مما تعرف نفسك، يلمح ما تخفيه خلف ضحكاتك، ويستقر في الأماكن التي لا يراها أحد. الحزنُ لا يعني دائمًا اليأس، ولا يعني أنك ضعيف، بل أحيانًا هو دليل أنك إنسان، قلبك ما زال ينبض، ما زلت تتألم لأنك تُحب، لأنك تتمنى، لأنك تنتظر، ولأنك لم تفقد إحساسك بعد.
الحزن ليس داءً كما يصوّره البعض، بل حالة من الصدق. الحزنُ لا يحتاج تبريرًا ولا توضيحًا، فكم من مرة شعرت بالحزن دون سبب واضح، فقط لأن في داخلك شيء لم يُفهم، أو شيء خذلك، أو حتى حلمٌ لم يتحقق. تتذكر مواقف مرّت قبل سنوات وكأنها حدثت بالأمس، لأن الحزن يعرف كيف يحفظ التفاصيل، ويعرف كيف يعيد تشغيل المشاهد التي أوجعتك بأعلى دقة ممكنة. إنه لا ينسى.
أحيانًا، يكون الحزن هو الشيء الوحيد الصادق في عالمٍ مليء بالتزييف. الناس تقول “أنا بخير” كثيرًا، لكنها لا تعنيها. يُقال إن “الوقت يُداوي”، لكن بعض الأحزان تسكنك بعمقٍ يجعلها تنمو مع الوقت، لا تتضاءل. أنت لا تتجاوز الحزن، بل تتعوّد على وجوده، يصبح كأنفاسٍ زائدة لا تراها، لكنه يُنهكك دون أن تدري. حتى في لحظات السعادة، تشعر بأن في داخلك غصة، أن هناك دائمًا شيئًا ناقصًا، شيئًا ما لم يُقل، ولم يُفهم.
ورغم ذلك… رغم ثقله ومرارته، الحزنُ يعلّم. يجعلك أكثر فهمًا، أكثر وعيًا بنفسك وبالناس. يجعلك تُقدّر الفرح حين يأتي، حتى لو كان بسيطًا. يجعلك تعتزّ بالأشياء الصغيرة، لأنك تعرف طعم فقدانها. الحزن يُهذب الروح، يُعمّق المشاعر، يمنحك لغة لا يراها إلا من مرّ مثلك بتجربة تُكسر فيها الروح ولا تُرمم.
الحزن أيضًا ليس دائمًا ظلامًا، بل أحيانًا هو الذي يفتح لك باب النور. حين تفيض عيناك من البكاء، تشعر أن الله أقرب إليك من أي أحد. حين تضيق عليك الدنيا، تجد نفسك ترفع يديك للسماء، تطلب، ترجوا، تتوسل، وهذا في ذاته قرب وطمأنينة لا يساويها شيء. الله لا يخذل قلبًا مُنكسرًا، ولا يدًا مرفوعة، ولا دعاء خرج من بين شهقة وألم.
أجمل ما في الحزن أنه لا يدوم. نعم، حتى وهو ينهش أعماقك، لا يدوم. سيأتي يوم تضحك فيه، تفرح فيه، تُحب الحياة من جديد. ستتذكر أيامك السوداء، وستقول: “عدّيتها.” ستمضي الحياة رغم كل شيء، وستُشفى جراحك، ولو بعد حين. وهذا يكفي، يكفي أن تؤمن أن كل ما تشعر به الآن، سيتبدل.
الحزن ليس عيبًا، ولا يجب أن نخجل منه، ولا أن نُخفيه تحت ابتسامات مصطنعة. أعطِ نفسك الحق أن تحزن، أن تبكي، أن تضعف، لكن لا تنسَ أن تنهض، أن تُقاوم، أن تؤمن أن الله يرى ويسمع ويعلم. وربما، فقط ربما، يكون الحزن الذي يكسرنا هو نفسه الذي يُعيد بناءنا من جديد، على نحوٍ أجمل، أنضج، وأكثر إنسانية.
فالحزن، يا صديقي، وإن كان مؤلمًا، لكنه يُشبه الأصدقاء الصادقين: لا يُجامل، لا يضحك في وجهك ليُخفي شيئًا… بل يُريك نفسك كما هي، يُريك ما تحتاج أن تتجاوزه، وما عليك أن تتعلمه، وإن طال مقامه، فهو راحل، مهما بدا عكس ذلك.
فلا تكرهه… فقط افهمه