العصامية، تلك الروح التي تولد من رحم الشقاء وتُروى بدموع الوحدة، هي ليست مجرد صفة، بل حكاية من نور يشتعل في عتمة الظروف. هي الإنسانة التي تُربّت على كتف نفسها، وتشعل في قلبها شموع الصبر، وتبتسم بوجه الحياة وإن كانت تخدشها ألف جرح. تضحك حين تتألم، وتتفنن في إخفاء وجعها كي لا تُثقل على أحد، وكأنها وُجدت لتكون الحضن الدافئ للكل، بينما لا أحد يسألها إن كانت بردانة أو خائفة.
تراها في عز الزحام، تشع بهجة وتفاؤلاً، تمدّ الآخرين بطاقة أمل كأنها لا تعرف الانكسار. تمازح، تواسي، وتمنح من حولها شحنة نور، دون أن تكشف أن قلبها مثقل، وروحها تمشي على أشواك. يظنها الناس قوية لا تحتاج أحداً، بينما الحقيقة أنها تعبت من كونها دائماً القوية.
حين تعود لغرفتها، وتغلق بابها، تنسلّ دمعتها بصمت، وتعود تلك الطفلة الصغيرة التي تتمنى لو أن أحدًا يحتضنها بلا سبب، فقط لأنها تستحق. تبكي ليس ضعفًا، بل لأن القوة أيضاً تحتاج استراحة، ولأن الكتف الذي تتكئ عليه فارغ منذ زمن. لا أحد يعرف كم من المرات تكسّرت وهي تضحك، كم مرة انطفأت وهي تُشعل شمعةً لغيرها، كم مرة قالت “أنا بخير” وداخِلها يصرخ “ساعدوني”.
العصامية لا تشتكي، لا تطلب، لا تنتظر، لكنها تتمنى.وتتمنى أن تُفهم دون أن تتكلم، أن تُحب كما تحب، أن يُحتفى بها دون مناسبة. هي التي تعلّمت أن تكون لنفسها كل شيء، لكنها أحيانًا تشتهي أن تكون لأحدهم شيء بسيط، كأن تكون راحة بعد تعب، أو يدًا تُمسك بها حين تتعب من الصعود.
وبرغم كل هذا، لا تزال العصامية تُشرق. لا تزال تضحك في وجه الحزن، وتبعث التفاؤل في قلوب من حولها. هي تشبه الشمس، تُنير الكون وتذوب في كل مساء دون أن يسألها أحد: هل أنتِ بخير؟ هي أنشودة الأمل التي تُغنّى بصوتٍ متعب، لكنها لا تزال تُغنّى. وفي كل مرة تنكسر، تعود وتلملم شتاتها، لا لتُري الناس قوتها، بل لأنها لا تعرف كيف تكون إلا كذلك